بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام
على سيدنا محمد واله وصحبه
ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين
خنقة سيدي ناجي أم القرى
مقدمة:
من المدن الجزائرية ذات التاريخ العريق والمميزات الطبيعية والسياحية نجد
مدينة خنقة سيدي ناجي
عرفت بعدة تسميات منها
عرفت بمورد النعام
تونس الصغيرة
ويقال فيها شبه كبير من مكة المكرمة
من ناحية التضاريس الصحراوية
الخنقة اسم جغرافي يعني الفج أو المضيق بين جبلين ،
تقع خنقة سيدي ناجي بالجنوب الشرقي للأوراس على الضفة الشرقية لوادي العرب
وهي إحدى البلديات التابعة لدائرة زريبة الوادي تبعد عن الدائرة ب25 كلم
وتتوسط ولايتي بسكرة وخنشلة بمسافة 105 كلم (الطريق الوطني 83 )
تحدها من الشمال بلدية الولجة ومن الشرق بلدية جلال
ومن الجنوب والغرب بلدية زريبة الوادي ومن الشمال الغربي بلدية كيمل .
تأسســت بلدية خنقة سيدي ناجي في عام 1946 ويقطنها حاليا حوالي 4000 نسمة.
كـل من قرأ ما كتبه الرحالون والدارسون عـــن هذه المنطقة قبل الاحتلال الفرنسي
تحن نفسه إلى رؤيتها اليوم للإطلاع على ما بقي من آثارها
و تعــــريفا بها لكم هذا العرض الموجز عــــنها:
نشأتهـا وتأسيسها:
كانت خنقة سيدي ناجي قبل تأسيسها عبارة عن غابات ونباتات متنوعة من أشجار العـرعار والقصب
تحيط بها الجبال من جميع الجهات ويجري بها وادي العرب وعرفت بمورد النعام
ولرؤية رآها سيدي المبارك في المنام طلب منه فيها التوجه إلى هذا المكان فوصلها مع عدة قبائل
( صدراتة - هزا برة - زهانة - دريد ــ زناته ــ روقه ـ نهــد)
مع بداية القرن الحادي عشر للهجرة عام 1010 هـ /1602 م وبنى بها زاوية للصلاة
لتعليم العلوم ونشر الطريقة الناصرية الشاذلية وأصبحت وجهة لطلاب العلم والتصوف من كل مكان
والتي تسمى حاليا المدرسة الناصرية .
كانت هذه البلدة مصدر إشعاع يؤمها طلاب العلم من كـل ناحية
حيث كونت رجالا خدموا الوطن ساعة العسر واليســـر وكانت لها مكانة مرموقة
وتعتبر المدرسة الناصرية التي بنيت عام 1171 هـ/ 1758 م على يد الشيخ احمد بن ناصر بن محمد بن الطيب
مركزا لإشعاع العلم الشرعي وبها 15 غرفة صغيرة لطلاب العلم من البلدة وخارجها
وكان بها نظام داخلي حيث كان إطعام الطلبة الوافدين على حساب القائمين على مسجد سيدي المبارك
وقد ساهمت هذه المدرسة في نشر العلوم الشرعية واللغوية فانتشر حفاظ القران والسنة النبوية
والفقهاء وتخرج منها العديد من العلماء تابع بعضهم دراستهم في جامع الزيتونة بتونس والجامع الأزهر
وبعد وفاة سيدي المبارك عام 1031 هـ/1622 م واصل ابنه سيدي احمد بن المبارك تعميرها .
وقد ظهرت البلدة في أول صورها على شكل حي صغير يدعى : كرزدة
يؤمونها شتاء ويرحلون عنها صيفا.والذي أصبح فيما بعد أحد أحيائها العريقة
و الذي هدم إبان الاستعمار الغاشم عدا بعض الآثار التي لازالت إلى يومنا هذا خير شاهد عن ذلك الحي -
وقسمت خنقة سيدي ناجي إلى خمسة أحياء وهي:
كـرزدة - الســــوق ــ مــوسى ــ صدراتة ــ اللواتة
وأما حارة الحبس فقد تركــت وقفا على من قصدها ولــم يجــــد مأوى.
و يعود التقسيم إلى خمسة أحياء تيمنا و تبركا بأركان الإسلام الخمسة
حيث يوجد بها خمســـــة احياء وكل حي به بابان يغـلقان ليلا ,بهما حـراس يعملون بالتناوب
وبها خمســـــة سواقي وبها خمســـــة مساجد
كان أبناء سيد ي المبارك يسكنون الأندلس في عهد الخلفاء الأمويين وبعد سقوط غرناطة
هاجروا نحو تونس حيث عاش جد الأسرة سيدي ناجي الأكبر وابنه سيدي قاسم فالتف حولهما
العديد من الأتباع والموردين وكان سيدي ناجي الأكبر من أولياء الله الصالحين وهو مدفون
في ضريح بساحة الخيل بتونس العاصمة ،وهكذا انتقلت الولاية إلى سيدي لمبارك الذي تنقل عبر بلاد المغرب
الى ان استقر به المقام في خنقة سيدي ناجي مع أتباعه .
أسبـاب تأسيسهـــا :
من المسلم به أن جل الحضارات أقيمت على ضفاف الأودية والأنهار
و لهذه الأسباب قصد سيدي المبارك هذه المنطقة التي تدعى مورد النعام و لسان حاله يردد قوله تعالى :
( ربنا أني أسكنت من ذريتي بواد غيرذي زرع عند بيتك المحرم ، ربنا ليقيموا الصلاة
فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون ) سورة إبراهيم الآية : 37 .
وفي القرن الحادي الهجري حل سيدي المبارك بالمنطقة وجعـــل منها مركزا للعلم و المعرفة
فبلغت مبلغ قل ما وصلت إليه أي منطقة في تلك الحقبة .وقد عمرت خنقة سيدي في الأول
من سبع فرق على التوالي (صدراتة - هزا برة - زهانة - دريد ــ زناته ــ روقه ـ نهـد )
وقد واجهت تلك القبائل عدة صراعات و ضغوطات من القبائل المجاورة رغم ذلك
واصل سيدي المبارك العمران والنشاط و قام مع أتباعه بغرس أشجار النخيل
و سميت المنطقة بخنقه سيدي ناجي من طرف سيدي المبارك ناسبا إليها تبركا إلى جده سيدي ناجي الأكبر
دفين ساحة الخيل بتونس العاصمة بدلا من اسم مورد النعام.
وقد أنجب سيدي المبارك أربعة 04 أبناء وهم احمد .التواتي . محمد . وعبد الحفيظ )
وبعد وفاته حملت الزاوية اسم مسجد سيدي المبارك الذي عرف التجديد الأول سنة 1147 هـ /1134
على يد الولي الصالح سيدي محمد بن محمد الطيب وتم توسيعه للمرة الثانية عام 1171 هـ /1758 م
على يد الشيخ احمد بن ناصر بن محمد بن الطيب.
نظام الأمن :
كانت البلدة محاطة بسور له بابان يغـلقان ليلا ,بهما حـراس يعملون بالتناوب ،
والسوار مازال قائما إلى اليوم ، كـما أحيط كل حي من الأحياء الخمسة بســور له بابان كذلك .
كفاح أبناء البلدة أثناء الثورة التحريرية
كان سكان هذه البلدة يعيشون في وضعية جد صعبة كغيرها من البلاد
المجاورة وتحت سلطة المستعمر فقدر محتوم لا مجال لتغييره ، بدأت الحركة الوطنية تجمع
حولها البعض من الشباب الخنـقي فاشتركوا فـــــي
الأحزاب المناهضة للسياسة العامة لفرنسا في الجزائر فكونت خلايا لحركة
انتصار الحريات الديمقراطية وبدأت في جبال الأوراس والى حدود البلدة انتفاضات الثائرين
على الأوضاع كانت فرنسا تطلق عليه( المنافقين) مثل ماقام به المجاهد الشهيد قرين بلقاسم من تمرد
على المستعمر واستمر كذلك الى اندلعت الثورة فانضم إليها ومات شهيدا رحمه الله
وفي ليلة أول نوفمبر 1954 سمــــع أهل البلدة كغيرهم بالحوادث التي
وقعت بهذا اليوم وعلى الخصوص مدن الأوراس... ،ولم يمر أسبوع حتى بدأت الجيوش تنتشر هنا وهناك
وتشدد من أحكامها على البلدة واستحدث مكتب عسكري بالبلدة
للاستنطاق واستحدثت لذلك مقر المحكمة سابقا يستنطق فيه المشتبه فيهم
من أهل البلدة أو القادمون من القرى المجاورة ليتم تسليط عليهم أنواع التعذيب
من ضرب وتعريضهم للتيار كهربائي - تأثر أهل البلدة بما أصبحوا يرونه
من أمور مستجدة يقوم بها العسكر يوميا فتحرك الشعور بالوطنية في نفوسهم
وتطلع الشباب للالتحاق بصفوف المجاهدين أو العمل على مساندهم بكل الطرق
وقد بلغ الشهداء عددهم اكثرمن 52 شهيد
اقتصادها :
كانت آنذاك الفلاحة هي أهم المصادر لجلب القوات و الرزق و خاصة منتوج التمر
المعروف بالتمر الذهبي العلكي ، و كذا الحبوب من قمح و شعير ،
حيث كانت تلك المنتوجات تلقى رواجا كبيرا في السوق المحلي للبلدة
الذي يؤمه التجار من أنحاء القطر و كذا من الدول المجاورة
أما عن الحرف فقد ظهرت بكثرة منها :
الصياغة حيث كانت تمتهن من طرف عائلة بوغد يري و كذلك الحدادة و الحياكة و الصيد لة
أين اشتهرت عائلة قوبع التي استخدمت الأعشاب الطبية في تحضير جل الأدوية النافعة
وهذا حسب الطرق التي انتهجتها عباقرة الطب المسلمين ( ابن سيناء الرازي )
كما اشتهرت صناعة العطور على عدة أنواع ،
إضافـة إلـى ذلــك فقـد ظهرت حركة رياضية : سباق الخيل ــ الصيد ــ السباحة ــ الرماية ...
ومن أشهر العلماء الذين تخرجوا منها في كافة العلوم نذكر أهمهم من البلدة وخارجها
علماء الدين
- المكي بن الصديق بلمكي شارح سيدي خليل وحكم سيدي عبد الحفيظ
- الأمين بلمكي الذي قد جمع علوم الدين والأدب
- محمد المدني بن المكي بن الصديق الذي اقترح تسمية(البصائر )
على الإمام عبد الحميد بن باديس
- محمد زروق بلمكي الذي جمع علوم الدين والكيمياء والفلك والأدب وكان مفتيا بمسجد سيدي مبارك بصفة رسمية
القضـــــاة
- الشيــخ محمد الطيب بن أمحمد الحاج بن حسين الخنقي الذي
كان قاضيا بأولاد جلال .
- الشيخ عــمراني مسعود الذي كان قاضيا بوادي سوف.
- الشيخ محمد بن إبراهيم مكي الذي كان قاضيا بسيدي عقبة.
الأدبـــــــاء
- الشيخ صالح تومي الذي كان عالما في الأدب و العلوم الدينية.
- الشيخ عاشور كليبي الذي كان بحرا واسعا في اللغة وشاعر
و كاتبا ومفسرا للقرآن.
- الشــــيخ ع المجيد بن حسين وهو من اقترح تسمية (الشهاب )
على الإمام عبد الحميد بن باديس
- الشيخ العربي التبسي كان بحــرا في اللغة و الشعر و الفقه.
- الأستاذ الشاعر مكي الجنيدي الذي كان محاميا بمدينة عنابه.
* الأستاذ الشاذلي مكي الذي كان يمثل الجزائر في الدول العربية
وهو ثالث من صمم العلم الوطني الجزائري
- علماء في الطب
- قوبع عمارة الذي بلغ درجة كبيرة في الطب .
- الشهيد محمود قوبع الذي كان طبيبا لجيش ت الوطني أثناء الثورة.
- أ ما في الرياضيات فنذكر سيدي عبد الله بن عبد الواحد الذي جمع علوما عديدة
و خاصة علوم الرياضيات و الهندسة , وهو الذي بث في قضية المياه المتنازع عليها آنذاك
بين أهالي عاصمة الزيبان بسكرة فرضوا بحكمه بعد خصام طويل.
- علماء الفلك
- السيد حسين بن ناصر احد حكام البلدة الذي كان يجمع بين الفلك و الطب و علوم الدين .
- الشيخ الازهاري بن سيدي عبد الحفيظ الذي كان أيضا شيخ في الطريقة الرحمانية.
وعلى العموم فان المدرسة الناصرية كانت مركز إشعاع على مستوى عمالة قسنطينة آنذاك .
فقد كان يقصده الطلاب من كل حدب و صوب للاستفادة من العلوم على مختلف أنواعها وخاصة العلوم الدينية
وحفظ القرآن ، كما انه كان يعتبر رمز لوحدة المغرب العربي الكبير ،
فالطريقة الناصرية أتى بها سيدي المبارك من المغرب الأقصى و أما المسجد فقد بني على منوال جامع الزيتونة.
كما ساهم بكل حيوية في الثورة التحريرية إذ أن بعض العلماء الذين تخرجوا من المدرسة الناصرية
قاموا بتوعية أهاليهم للقيام بالثورة ضد الاستعمار الفرنسي.وزيادة على مسجد سيدي المبارك
هناك عدد من المساجد القديمة مثل زاوية الشيخ عبد الحفيظ الو نجلي ناشر الطريقة الرحمانية في القرن الثالث عشر 13 هـ
ومسجد السوق الذي تم بناؤه خلال القرن 18 م ونظرا لمكانة البلدة في العهود العابرة
فقد تغنى بها عدد من الشعراء ورثوا لحالها في الأزمنة الحديثة مثل الشيخ خليفة بن حسن القماري
فقيه الصحراء الذي أفتى بتغريم السارق بالقيافة (الحرة) و أنكر عليه ذلك علماء البلدة فأرسل لهم قصيدة منشورة
في عدة كتب منها ((الصروف)) للشيخ إبراهيم الحوا صل و منها قوله:
سلام له في الصالحات أصــــول يوافــــيه من عندي سلام وصول
إلى الشرح الا ثبات من آل خنقة لهــم في الدور الواقعات نقــــول
رؤوس سداد صالــــحون أجــلة شمــوس رشـاد مالين أقـــــــــول
مقاومة الشيخ
سيدي عبد الحفيظ الخنقي
بعـد الحملة الواسعة التي قام بها الشيخ عبد الحفيظ الخنقي بمساعدة احمد بلحاج
خليفة الأمير عبد القادر و التي حرص فيها سكان سيدي عقبة و الجهات المحاذية
لسفح الأوراس الجنوبي و مؤيدي الطريقة الرحمانية في الخروج للجهاد و المقاومة
وفي يوم 14سبتمبر 1849 خرج الشيخ عبد الحفيظ الخنقي واحمـــــد بلحاج على رأس المقاومين
من خنقة سيدي ناجي و ليانة والتقــيا مع الشيخ الصادق بن الحاج قادما من احمر خـدو
و معه حوالي 700 فارسا و مقاتل و انضم المقاومون مع بعضهما البعض تحت قـيادة الشيخ عبد الحفيظ الو نجلي
و تحركت هذه القوة التي بلغ عددها حوالي 5 آلاف مقاتل متجهين إلى مدينة بسكرة
و عندما بلغ الخبر القائد العسكــــري الفرنسي ببسكرة الرائد"سان جرمان "
تحرك بقواته للتصدي قبل وصولهــــــم إلى المدينة حيث تمركزت القوتان على حافة وادي براز " نواحي سريانه."
و في يوم 17 سبتمبر 1849 صباحا بدأت المعركة الحامية دامت يوما كاملا اشتد فيها القتال
و تم القضاء على القائد الفرنسي " سان جرمان" الذي نقل جثمانه إلى مدينة بسكرة
و ابنه الجنرال كانروير توعد بالانتقام له فيما فضل المجاهدون الانسحاب حفاظا على الأرواح
و في يوم 4 نوفمبر 1849 اجتمع الشيخ عبد الحفيظ الخنقي و الشيخ الصادق بلحاج و محمد الصغير بن احمد بلحاج و قرروا مواصلة
المقاومة و تكوين جيش قوي للتوجه به مرة أخرى إلى مدينة بسكرة في
محاولة استردادها غير أن هذا القرار لم ينفذ بسبب علمهم بوصول نجدات
سريعة بقيادة كل من العقيد كرئبيسا و العقيد هيربون لتعزيز مركز بسكرة
لكن ذلك لم يمنع الشيخ عبد الحفيظ الخنقي من الاستمرار في مقاومة المستعمر بمختلف الوسائل
إلى غاية استشهاده سنة 1850تاركا عدة مؤلفات منها :
التعريف بالإنسان الكامل - الجواهر المكنونة و العلوم المصونة - سر التفكير في أهل التذكير - غاية البداية في حكم النهاية .
خنقة سيدي ناجي حاليا بها
مدرستان ابتدائيتان الاولى سميت على الشهيدالبطل محمد الصالح بلعباس
والثانية على الشهيدين الإخوة هزابرة
ومتوسطة سميت على الشهيد محمد بلمكي
وكذا ثانوية سميت على الشاعر الشيخ عاشور بن محمد وبها دار الشباب
وبها أيضا مصنع الفخار وكذا مصنع نفخ الزجاج
وتعتبر من البلدان ذات المعالم السياحية :
تراثية - دينية -تقليدية - طبيعية

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق